النويري

258

نهاية الأرب في فنون الأدب

الهناء « 1 » والطَّلاء حتى يظهر العذر « 2 » ، ويبوح السرّ ، ويضح الغيب ، ويسوّس « 3 » الجنب ؛ فإنكم لم تخلقوا عبثا ، ولم تتركوا سدى ؛ ويحكم ، إني لست أتاويّا « 4 » أعلم ، ولا بدويّا أفهّم ؛ قد حلبتكم أشطرا ، وقلبتكم أبطنا وأظهرا ؛ فعرفت أنحاءكم وأهواءكم ، وعلمت أنّ قوما أظهروا الإسلام بألسنتهم ، وأسرّوا الكفر في قلوبهم ، فضربوا بعض أصحاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم [ ببعض « 5 » ] ، وولَّدوا الروايات فيهم ، وضربوا الأمثال ، ووجدوا على ذلك من أهل الجهل من أبنائهم أعوانا يأذنون لهم ، ويصغون إليهم ؛ مهلا مهلا قبل وقوع القوارع ، وطول الروائع ، هذا لهذا ومع هذا « 6 » ، فلست أعتنش « 7 » آئبا ولا تائبا ، * ( عَفَا الله عَمَّا سَلَفَ ومَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْه والله عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ) * فأسروا خيرا وأظهروه ، واجهروا به وأخلصوا ، فطالما مشيتم القهقرى ناكصين ، وليعلم من أدبر وأصرّ أنها موعظة بين يدي نقمة ؛ ولست أدعوكم إلى أهواء تتبع ، ولا إلى رأى يبتدع ؛ إنما أدعوكم إلى الطريقة المثلى ، التي فيها خير الآخرة والأولى ؛ فمن أجاب فإلى رشده ، ومن عمى فعن قصده ؛ فهلمّ إلى الشرائع الجدائع « 8 » ، ولا تولَّوا عن سبيل المؤمنين ، ولا تستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير ،

--> « 1 » الهناء بكسر الهاء : القطران ؛ يريد بهذه العبارة أنه سيأخذ في معالجتهم بالموعظة أو العقوبة حتى يقلعوا عما نهاهم عنه . « 2 » عبارة الأصل : « حتى بطر الغمر » وهو تحريف ؛ والتصويب عن صبح الأعشى ج 1 ص 222 . « 3 » يسوّس بالبناء للمجهول : يروّض ويذلل ؛ يقال : سوست له أمرا إذا روضته وذللته . انظر اللسان مادّة « سوس » . والجنب بضمتين الصعب الذي لا ينقاد . « 4 » الأتاوى : الغريب عن القوم . « 5 » هذه الكلمة ساقطة من الأصل ؛ وقد أثبتناها عن صبح الأعشى . « 6 » لعله يريد بهذه العبارة أنه قد أعدّ لكل عمل جزاء لا يتجاوزه ؛ يدل على ذلك ما قبله وما بعده . « 7 » الاعتناش : الظلم ؛ والذي في الأصل : « أعيش » ؛ وهو تحريف . « 8 » كذا في الأصل وصبح الأعشى ج 1 ص 222 ؛ ولم نقف عليه في غيرهما ؛ ولم نر من معانيه ما يناسب السياق ؛ ولعله : « الجوامع » ، أي التي تجمع الناس على اتباعها ، كما يدل عليه ما بعده .